ومع هذه التقلبات تأتي حالة كبيرة من عدم اليقين. ورغم أنها ليست حتمية، إلا أن تقلبات أسعار النفط، والتداعيات الطائفية لمقتل علي خامنئي، والتصعيد الإقليمي الأوسع، جميعها عوامل قد تسحب العراق مجدداً نحو حقبة من عدم الاستقرار. لقد أوصل عقدان من التقدم العراق إلى مكان يبعث على أمل أكبر...
هذا التحليل يستند إلى أحدث بيانات واستطلاعات مؤسسة "غالوب" (Gallup)، حيث يسلط الكاتب بنديكت فيجرز الضوء على المشهد العراقي المعقد بعد مرور 23 عاماً على الغزو الأمريكي. وكيف حقق العراق مكاسب تاريخية في مستويات الشعور بالأمان والثقة بالمؤسسات الوطنية، لدرجة أن الهموم الاقتصادية والوظيفية باتت تتصدر أولويات المواطنين بدلاً من الهواجس الأمنية. ومع ذلك، يحذر الكاتب من هشاشة هذا الاستقرار الذي تحقق بشق الأنفس؛ إذ إن التصعيد الإقليمي الأخير -بما في ذلك التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران- والاعتماد الكلي على النفط، يهددان بتقويض هذه المكاسب، مما يجعل مستقبل البلاد مرتهناً، إلى حد كبير، بتقلبات وقوى خارجة عن سيطرة بغداد.
ويرى الكاتب أنه:
قبيل الذكرى الثالثة والعشرين للغزو الأمريكي للعراق، تُظهر اتجاهات استطلاعات مؤسسة "غالوب" (Gallup) زيادات طويلة الأجل في شعور العراقيين بالأمان والثقة في المؤسسات. ومع تزايد رسوخ هذه الأسس، سيطرت الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والعمل على الوعي الجمعي الوطني في عام 2025.
ولكن الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط - كالضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ومقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، والضربات الانتقامية في جميع أنحاء المنطقة، تلقي بظلال من الشك حول ما إذا كان الاستقرار النسبي في العراق قادراً على الصمود في وجه صراع إقليمي أوسع نطاقاً.
واحدة من أكبر التحولات الإيجابية في مجال الأمن على مستوى العالم
منذ عام 2009، شهد العراق واحدة من أكبر الزيادات المستمرة في الشعور بالسلامة مقارنة بأي مكان آخر في العالم. ففي عام 2025، صرح 81% من البالغين بأنهم يشعرون بالأمان عند المشي بمفردهم في مناطقهم ليلاً، وهو ارتفاع كبير من أدنى مستوى بلغه هذا المؤشر (34%) في عام 2009 بعد ذروة الحرب الأهلية الطائفية. وتُعد هذه الزيادة البالغة 47 نقطة مئوية واحدة من أكبر الزيادات التي تم قياسها على الإطلاق في "استطلاع غالوب العالمي". ولأول مرة في سجلات الاستطلاع، تفوقت نسبة العراقيين الذين يشعرون بالأمان بشكل طفيف على المتوسط العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (78%).
لقد تحسنت البيئة الأمنية في العراق بعد سنوات عديدة من عدم الاستقرار التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، والذي تخلله عنف طائفي متفشٍ، وحرب أهلية، وصعود لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وفي وقت سابق من هذا العام، وصف أحد منسقي الأمم المتحدة العراق بأنه بلد "يعيش في سلام مع زيادة في مستوى الأمن"، لدرجة أنه لا يمكن التعرف عليه مقارنة بالسنوات الأولى للانتقال السياسي الذي أعقب الإطاحة بصدام حسين.
ومع ذلك، فإن بقاء هذا الوصف دقيقاً يعتمد على ما ستسفر عنه الأسابيع والأشهر المقبلة. فبعد وقت قصير من الضربات العسكرية، هاجمت فصائل مسلحة متحالفة مع إيران في العراق قاعدة عسكرية أمريكية في أربيل، بالإضافة إلى مجموعة من الأهداف المدنية والبنية التحتية. ورداً على ذلك، استهدفت القوات الأمريكية والإسرائيلية العديد من تلك الجماعات نفسها داخل الأراضي العراقية.
كما أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين في بغداد الذين حاولوا اقتحام السفارة الأمريكية. ومع اشتداد الأعمال العدائية الإقليمية، يواجه العراق خطر التحول إلى ساحة معركة للمنافسات الإقليمية. في الوقت الحالي، تُظهر مكاسب العراق في السلامة العامة المدى الذي وصل إليه، وربما تسلط الضوء أيضاً على حجم ما قد يخسره.
ارتفاع ملحوظ في مستوى الثقة بالمؤسسات
لقد ترافقت التحسينات المطردة في الشعور بالأمان مع ارتفاع ملحوظ في الثقة بالمؤسسات. فبمرور الوقت، أصبح العراقيون أكثر ثقة في الجيش الوطني والشرطة المحلية، حيث وصلت نسبة الثقة في كليهما إلى 82% في عام 2025. كما أن مستويات الثقة في النظام القضائي الوطني، والحكومة، والمؤسسات المالية أصبحت جميعها أعلى مما كانت عليه في السنوات الأخيرة، حيث تتجاوز كل منها الآن حاجز الـ 50%. في المقابل، تُعد ثقة الجمهور في نزاهة الانتخابات أقل نوعاً ما، إذ تبلغ 30%، لكنها لا تزال أعلى بثلاث مرات تقريباً مما كانت عليه في عام 2019، حين شعر 11% فقط بأن الانتخابات كانت نزيهة.
لقد اتخذ العراق خطوات عدة نحو إصلاح مؤسساته في السنوات الأخيرة، والتي -وإن لم تكن التفسير الوحيد لهذه المكاسب- فإنها توفر سياقاً مهماً لفهمها. فقد أُعيد بناء الجيش تدريجياً بعد محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، وعملت التشريعات الجديدة على جعل البنية التحتية المالية للعراق أكثر توافقاً مع المعايير العالمية، كما أن الحكومة الائتلافية التي وصلت إلى السلطة في أكتوبر 2022 (بعد عام من الجمود السياسي) أرست استقراراً سياسياً يفوق ما شهده العراق في العقدين السابقين.
وعقب الانتخابات العراقية في نوفمبر 2025، لا تزال البلاد في طور تشكيل حكومة جديدة. وفي حين مارست إيران نفوذاً كبيراً على السياسة العراقية لفترة طويلة، فإن ضعف موقفها مؤخراً قد يؤدي إلى إحداث تغييرات سياسية داخل بغداد.
الاقتصاد والعمل يتصدران القضايا الوطنية
لأول مرة في عام 2025، طلبت مؤسسة "غالوب" من الأفراد حول العالم تحديد القضية الأبرز والأكبر التي تواجه بلدانهم، مستخدمين كلماتهم الخاصة. في العراق، أشار ما لا يقل عن نصف البالغين إلى الاقتصاد (28%) أو العمل (24%) كأهم قضية، وكلا النسبتين أعلى من المتوسطات العالمية (23% و10% على التوالي). في حين أشار 5% فقط إلى الأمن والسلامة، وهو رقم يقل قليلاً عن المتوسط العالمي البالغ 7%.
البلدان التي كان من المرجح أن تسمي الأمن والسلامة كأهم قضية وطنية في عام 2025 هي تلك المنخرطة في حروب كبرى، مثل أوكرانيا، وروسيا، وإسرائيل، ودولة فلسطين. ففي أوقات الصراع وعدم الاستقرار، تميل السلامة والأمن إلى الهيمنة على المخاوف الوطنية. أما في الأماكن التي يسودها استقرار أكبر، فغالباً ما يُنظر إلى الاقتصاد على أنه المشكلة الأهم.
يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على عائدات النفط، والتي تمثل حوالي 90% من إجمالي الإيرادات الحكومية. وهذا يجعل الاقتصاد العراقي شديد التأثر بالصدمات الخارجية التي تؤثر على أسعار النفط، والتي ارتفعت بشكل حاد بعد اندلاع الحرب وتزايد المخاوف بشأن حركة الشحن في مضيق هرمز. وتُعد إيران المورد الرئيسي للكهرباء للعراق، ويبلغ حجم التجارة الثنائية بين الجارين حوالي 12 مليار دولار. وبالتالي، فإن أي عدم استقرار إضافي في إيران يضع اقتصاد العراق في دائرة خطر أكبر.
تقارب عراقي متزايد مع طهران وسط اتساع في الفجوة الطائفية
ألقت أحداث الأسابيع الأخيرة بظلال من الشك على الاستقرار المتزايد في العراق. في عام 2025، وقبل توجيه الضربات لإيران، كان 36% من العراقيين يؤيدون القيادة في طهران، وهي نسبة أعلى بكثير مما كانت عليه في السنوات الأخيرة، رغم أنها لا تزال تمثل رأي الأقلية بشكل عام، حيث عبّر 64% عن عدم تأييدهم. وينظر العراقيون اليوم إلى طهران بنظرة مماثلة لنظرتهم إلى الرياض (نسبة تأييد 32%)، والتي تآكل تفوقها التاريخي على إيران في أوساط الرأي العام العراقي.
يُعزى هذا الارتفاع في تأييد طهران في المقام الأول إلى العراقيين الشيعة، حيث وافق 52% منهم في عام 2025، وهو ما يزيد عن ضعف المعدل بين العراقيين السُنة (23%). ويمثل هذا التباين أكبر فجوة طائفية في الموافقة على القيادة الإيرانية منذ أن بدأت "غالوب" بتتبع هذا المؤشر بانتظام في عام 2022. وبما أن العراق ليس غريباً على الانقسامات الطائفية، ومع ميل العراقيين الشيعة بالفعل نحو الإيجابية تجاه طهران قبيل الدخول في الأزمة الحالية، فلا يمكن استبعاد احتمال حدوث المزيد من التوترات الداخلية.
الخلاصة
بعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً على الغزو الأمريكي وما تلاه من اضطرابات، اتخذ العراق خطوات ذات مغزى نحو تحقيق الاستقرار. ولا تزال تصورات السلامة العامة في ارتفاع، كما تحظى المؤسسات الوطنية بمستويات ثقة أعلى من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة.
ولكن الاستقرار وحده لا يضمن الازدهار. فالاقتصاد والبطالة يثقلان كاهل السكان، وتستمر التصورات العميقة الجذور حول تفشي الفساد، وهما العاملان اللذان دفعا آلاف الشباب العراقيين إلى الخروج إلى الشوارع للاحتجاج في السنوات الأخيرة. ويبقى الاعتماد الاقتصادي للبلاد على النفط نقطة ضعف هيكلية في منطقة عادت لتشهد تقلبات شديدة ومقلقة.
ومع هذه التقلبات تأتي حالة كبيرة من عدم اليقين. ورغم أنها ليست حتمية، إلا أن تقلبات أسعار النفط، والتداعيات الطائفية لمقتل علي خامنئي، والتصعيد الإقليمي الأوسع، جميعها عوامل قد تسحب العراق مجدداً نحو حقبة من عدم الاستقرار. لقد أوصل عقدان من التقدم -الذي تحقق بشق الأنفس- العراق إلى مكان يبعث على أمل أكبر، ولكن قدرته على البقاء هناك قد تحددها في نهاية المطاف قوى خارجة عن سيطرة بغداد.



اضف تعليق