تجمع الحلقة إشارات قرآنية وفكرية في مشروع الإمام الشيرازي حول فلسفة الحضارة، ونقد الاستبداد، وقاعدة نفي العسر والحرج، ومفهوم المجاز القرآني، وذم التهور، والربط بين القرآن والحياة. وتؤكد أن القرآن يؤسس للأمة الواحدة، والأخوة، والحرية، والشورى، واللاعنف، بوصفها ركائز الحضارة الصحيحة والدولة الناجحة والمجتمع السعيد في مواجهة الفساد والاستبداد...

جاء في كتاب فلسفة التاريخ للسيد محمد الحسيني الشيرازي:

مونتسكيو وفلسفة الحضارة: ومن هذا المنطلق بالذات بحث مونتسكيو فلسفة الحضارة في العصر الحديث، وذلك فيما عرضه في كتابه «روح القوانين»، فقد عرض مونتسكيو العوامل التي تحدد نظام الحكم في مجتمع ما، بعد أن قسم أنظمة الحكم إلى استبدادية، وأرستقراطية، وديمقراطية. وقد حمل مونتسكيو حملة شعواء على الحكومات الاستبدادية، واعتبرها حكومات قد تجرّدت من الشرف والفضيلة، ولم تكن حملته على الحكام فحسب، وإنما على الحاشية والبطانة، ولذلك يقول: تتألف أخلاق معظم البطانات في كل زمان ومكان من الطموح في كنف البطالة، والضعة المتسترة وراء الكبرياء، والرغبة في الثراء دون عناء، والتملق، والخيانة في الطباع، والمؤامرات، والتخلي عن الوعود، وازدراء واجبات المواطن، والفزع إن كان الأمير فاضلًا، وتمني أن يكون ضعيفًا مع الاستهزاء الدائم من الفضيلة ومعتنقيها.

 إنه من المزعج حقًا أن أكثر أكابر الدولة فاقدو الأمانة، بينما أصاغرها هم أهل الصلاح. وقد استغرق كتاب مونتسكيو «روح القوانين» 14 عامًا، وحذره أصدقاؤه من نشر الكتاب، ولكنه أصر على نشره، وقد وُضع في القائمة السوداء، فظهر في سنة 1163هـ، وطُبع عشرين طبعة في عامين. وانتشرت آراؤه في معظم بلاد العالم، وأخذ كتابه يُدرّس في المدارس والجامعات، وطُبقت أفكاره في كثير من بلاد العالم.

أقول: إن أفكار الديمقراطية والحرية والتعددية التي طرحها مونتسكيو في كتابه لمعالجة الفساد والاستبداد لم تكن جديدة، فقد طرحها الإسلام قبله بقرون. ففكرة التعددية الحزبية عمل بها الإسلام من قبل، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أنا مع الحزب الذي فيه ابن الأدرع»، ونراه (صلى الله عليه وآله) يقسم المسلمين إلى مهاجرين وأنصار، ولا يخفى أنهما، من ألف الإسلام إلى يائه، كان لهما حكم واحد، وإنما قسمهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى قسمين كما في القرآن الحكيم والروايات والسيرة المطهرة، حتى يكون أحدهما منافسًا للآخر. ولقد قال القرآن الحكيم قبل ذلك: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26)، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133)، وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148)، (المائدة: 48).

وجاء في كتاب الفقه، القواعد الفقهية للسيد محمد الحسيني الشيرازي:

قاعدة نفي العسر والحرج: أدلة القاعدة: وهي قاعدة مشهورة ذكرها الفقهاء في الأصول والفقه، وتدل عليها الأدلة الأربعة. فمن الكتاب: قوله سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78)، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: 6)، وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185). أما قوله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (الطلاق: 7)، فدلالتهما مبنية على أن المراد بـ«الوسع» و«ما آتى» العرفية لا الدقية، إذ لو كان المراد الدقية لكان مثل قولك: لا يكلف الله إلا الممكن، وهو خارج عن نطاق كلام البلغاء، فاللازم أن يراد بهما أيضًا ما ذُكر في الآيات السابقة.

ومن الإجماع: تواتره في كلماتهم، حيث الإجماع العملي والقولي، إلا أنه ظاهر الاستناد لا محتمله فقط. ومن العقل: قبح أن يوقع الحكيم عبيده في الحرج إلا لأمر أهم، والاستثناء قليل، وإنما الكلام في جعل التكليف مطلقًا كذلك، ولذا إذا رأينا سيدًا أوقع عبده في المشقة سألناه عن السبب، ولا نكتفي بجوابه إلا إذا ذكر الأمر الأهم. والجهاد والصوم في الصيف وما أشبه من الاستثناء العقلي أيضًا، بالإضافة إلى الشرع، والأول للاستقلال والسيادة، والثاني للتذكير نفسًا والتصحيح بدنًا، فإذا لم يأمر المولى عبده بهما لكان محلًا للتساؤل، ولذا يفعلهما العقلاء. ومن السنة: متواتر الروايات، مثل ما عن عبد الأعلى مولى آل سالم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال (عليه السلام): يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).

عن شبكة النبأ المعلوماتية، في موضوع «مفهوم المجاز وأثره في توجيه الدلالة عند الإمام الشيرازي» للدكتور خالد عبد النبي عيدان الأسدي: وأول من استعمل المجاز في معناه البلاغي هو أبو عثمان الجاحظ ت (255هـ)، الذي عُرف بعد ذلك في اصطلاح البلاغيين، فقد جاء في كلامه: «وإذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف، وإذا قالوا: أكله الأسود، فإنما يعنون النهش واللدغ والعض فقط، وقد قال الله عز وجل: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (الحجرات: 12)، فهذا كله مختلف وهو كله مجاز». وهذه الإشارة لم تكن واضحة بارزة للبحث، أو أُفرد لها موضوع خاص، وإنما بثها في ثنايا كتبه.

 وأول من ألّف في المجاز بمفهومه الاصطلاحي، الذي يشير إلى الفن البلاغي المنتمي إلى علم البيان، هو الشريف الرضي ت (406هـ) في كتابيه «تلخيص البيان في مجازات القرآن» و«المجازات النبوية»، فقد بحث فيهما المجاز بمفهومه البياني البلاغي؛ من ذلك على سبيل المثال في بيان قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10)، قال الشريف الرضي: «والمرض في الأجسام حقيقة، وفي القلوب استعارة؛ لأنه فساد في القلوب كما أنه فساد في الحقيقة، وإن اختلفت جهة الفساد في الموضعين». يبدو أن وصول المفهوم الاصطلاحي إلى زمن الشريف الرضي وصل متكاملًا، لذا كان البحث فيه ناضجًا.

عن كتاب الفضائل والأضداد للسيد محمد الحسيني الشيرازي: التهور هو من طرف الإفراط، أي: الإقدام على ما لا ينبغي، والخوض فيما يمنعه العقل والشرع من المهالك والمخاوف، ولا ريب أنه من المهلكات في الدنيا والآخرة، ويدل على ذمه كل ما ورد في وجوب محافظة النفس، وفي المنع عن إلقائها في المهالك، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195)، وغير ذلك من الآيات والأخبار.

عن كتاب تقريب القرآن إلى الأذهان للمرجع آية الله السيد محمد الشيرازي: الربط الوثيق بين القرآن والحياة في مختلف المجالات الشخصية والعامة والعبادية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، وهذه محاولة كبيرة تعيد الناس إلى القرآن، كما ترتفع بتعامل الناس معه إلى ما أراده الله سبحانه له أن يكون نورًا وهدى وقائدًا ومرشدًا ومربيًا ومعلمًا في مختلف المجالات والأصعدة، حيث دعا السيد المؤلف (قدس سره) إلى:

1. الأمة الواحدة لتحرير بلاد المسلمين من التفرقة العنصرية والقومية والإقليمية، مستندًا في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110). وعلل أفضلية الأمة الإسلامية وأسباب رقيها بخصال ثلاث هي: أ. الأمر بالمعروف. ب. النهي عن المنكر. ج. الإيمان بالله سبحانه إيمانًا صحيحًا. بلحاظ أن المجتمع إذا خلا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يهوي نحو السفل؛ لما جُبل عليه من الفساد والفوضى والشغب، فإذا تحلى المجتمع بهذين الأمرين أخذ يتقدم نحو مدارج الإنسانية والحضارة الحقيقية حتى يصل إلى قمة البشرية، وبلحاظ أن الإيمان الصحيح رأس الفضائل لكونه إدراكًا لأعظم حقيقة كونية من جهة، ولكونه محفزًا شديدًا نحو جميع أنواع الخير، ومنفرًا قويًا من جميع أصناف الشر من جهة أخرى، وهذه في مجموعها تكوّن أهم العناصر التي تقوم عليها سعادة البشرية وأمنها وسلامها.

2. الأخوة الإسلامية لتزيد في أواصر المجتمع الواحد، وترفع الحواجز الطبقية أو الفئوية ونحوها، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، وكذلك قوله سبحانه: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103).

3. الحرية الإسلامية لكونها غاية البعثة وهدف الرسل والأنبياء، وخصوصًا خاتمهم وسيدهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157)، فإن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) خلّص الناس من أغلال الاستبداد والجاهلية بصورها المختلفة. وفي هذا قال (قدس سره): أغلال: جمع غلّ، وهو ما يقيد الإنسان يده أو رجله أو غيرهما، فإن من خواص الإسلام أنه يطلق الحريات المعقولة، فالسفر والإقامة والتجارة والزراعة والصناعة والبيع والاشتراء والكلام والكتابة والتجمع وغيرها كلها مباحة، لا قيود لها إلا بعض الشرائط الطفيفة التي هي في صالح المجتمع والفرد، ولا يعلم مدى ذلك إلا بالمقايسة إلى الأنظمة والمناهج الدنيوية التي كلها كبت واستعباد واستغلال.

4. الشورى على مختلف الأصعدة والمجالات، ابتداء من الأسرة إلى الدولة ونظام الحكم، وبالنحو الإسلامي الخاص، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، وقد ردّ الطرق الغربية ونحوها القائمة على أساس غير عادل في الانتخاب.

5. اللاعنف طريقًا ومنهجًا للتعامل مع الآخرين من أهل الإسلام أو غيرهم من الأديان والمذاهب، مستندًا إلى قوله سبحانه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (البقرة: 208)، وقوله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (آل عمران: 159). ومن الواضح أن هذه هي الأسس البارزة لتكوين الحضارة الصحيحة والدولة الناجحة والمجتمع السعيد. والظاهر أن هذا الربط والتكامل والتطابق بين القرآن والحياة العامة قلّما يُلحظ في كتب التفسير حتى الجديدة منها.

اضف تعليق