كيف تحقِّق سعادتَكَ؟

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

حتى لو كان الإنسان غنيا وذا أموال كبيرة، ولم يكن متقيا لله وملتزما بأحكام الحلال والحرام، فإنه لن يستفيد من أمواله إلا القليل، وهذا القليل مشروط بحسن التعاطي الصحيح والتصرف السليم بالمال، لكن حين يكون محصّنا بالتقوى والإيمان والضمير المستيقظ، فإنه لا يمكن أن يفضّل نفسه على الآخرين، ولن يتجاوز على حقوقهم...

(المال ليس عنواناً للسعادة، وإنّ كان يحقّق نسبة قليلة منها)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

إن ضمير الإنسان له دور حاسم في استقامة الإنسان في قضية المحافظة على حقوق الناس، وفي جميع التعاملات الاجتماعية والمالية وسواها، لأن ضمير الإنسان إذا كان يقِظا، يمنع صاحبه من ظلم الناس في كل المجالات، وهذا بدوره سوف يؤدي إلى راحة نفس الشخص الذي يكون ضميره حيًّا رافضا لأي نوع من التجاوز على حقوق الآخرين وحق النفس أيضا.

وليس هناك ما يُسعد الإنسان إذا كان ضميره محايدا، أو يغض الطرف عن الخطايا، حتى الأموال ربما لا تحقق لمن يمتلكها إلا القليل، لأنه راحته مفقودة، والقلق يحاصره وينغّص عليه حياته، والسبب هو قلة التقوى، وبالتالي ضعف الضمير، فيكون مثل هذا الإنسان مستعدا للتجاوز على ممتلكات وحقوق الناس في سبيل مصلحته وغناه المادي حتى لو كان المصدر من الحرام، بينما يمكن للتقوى أن توقظ ضمير الإنسان وتمنعه عن الخطأ والحرام.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) يقول قي سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة التقوى:

(إنّ عُمدة السعادة لا تتحقّق إلاّ براحة النفس والضمير، لنفرض أنّ شخصا له مال كثير، لكنّه يعيش حالة من القلق والاضطراب ولا يحظى بنومةٍ هانئة في الليل خوفاً على ممتلكاته وأمور أخرى، فهل هكذا إنسان سعيد؟).

 لذا لا يمكن أن يكون المال (حتى لو كان وفيرا وكثيرا) سببا في راحة الإنسان وسعادته، لأن ما يريح النفس ويجعلها مطمئنة ويجعل الإنسان محصّنا من القلق، هو ضميره الحيّ، وهذا لن يتحقق إلا إذا كان الإنسان ذا تقوى ويخشى الله تعالى، ويحذر العواقب في الدنيا وفي الآخرة، لأن عواقب العمل المنحرف والخاطئ ستكون كبيرة، ويمكن أن تتصدى للإنسان في الدنيا وما بعدها، وهو بذلك يتعرض لفقدان السعادة، بالإضافة إلى وباء القلق الذي يفتك به.

التقوى تصنع الغنى للإنسان

إذن حتى لو كان الإنسان غنيا وذا أموال كبيرة، ولم يكن متقيا لله وملتزما بأحكام الحلال والحرام، فإنه لن يستفيد من أمواله إلا القليل، وهذا القليل مشروط بحسن التعاطي الصحيح والتصرف السليم بالمال، لكن حين يكون محصّنا بالتقوى والإيمان والضمير المستيقظ، فإنه لا يمكن أن يفضّل نفسه على الآخرين، ولن يتجاوز على حقوقهم.

وهكذا سينام الفقير صاحب التقوى ليله سعيدا، بينما الغني الذي يفتقد للتقوى لا يمكن أن ينام ليله سعدا، لأنه لا يلتزم بالأحكام التي تمنعه عن اختراق حدود الناس والتجاوز عليهم.

يقول سماحة المرجع الشيرازي حول هذه النقطة المهمة:  

(المال ليس عنواناً للسعادة، وإنّ كان يحقّق نسبة قليلة من السعادة فيما لو عرف الإنسان كيف يتصرّف بأمواله، بينما من الممكن أن يكون الإنسان فقيراً لكنّه سعيداً في دنياه، يعيش راحة نفسية، وينام الليل هانئاً مطمئناً).

لذلك غالبا ما يكون هناك تساؤل يتم طرحه وتداوله بين الناس، مفاده إذا كان المال عاجزا عن تحقيق السعادة للإنسان (غير الملتزم)، فما الذي يمكن أن يطرد القلق من نفسه، ويُشعها بالسكينة والطمأنينة ويحميها من الاضطراب والخوف والقلق؟

حتى العلم إذا لم يقترن بالتقوى والضمير فإنه لا يًعصِم صاحبه من القلق، واللا استقرار النفسي، لذلك يُطرَح هذا التساؤل دائما، ما الذي يمكن أن يجعل من الإنسان سعيدا؟، وماذا يمكن أن يحمي الإنسان من الشعور بالخوف على حاضره ومستقبله؟

إن الإجابة واضحة، سهلة ويجب على إنسان أن يعرفها ويفهما جيدا ويتعامل مع دنياه في ضوء هذه الإجابة الت تقول، على كل شخص أن يتقّي الله في نفسه وفي الآخرين، ولا يهمل هذه القضية الرئيسة في تحقيق الاطمئنان النفسي، وعليه أن يحذو حذو الأناس الأتقياء الذين يجعلون خطوط حياتهم ومساعيهم وأهدام تسير وفق (رأس الحكمة مخافة الله)، والإنسان الحكيم لن يتجرّأ ويغمط الناس حقوقهم، ولن يفضل مصالحه غير المشروعة عليهم.

وهنا يتساءل سماحة المرجع الشيرازي حول هذه النقطة قائلا:

(إذا كان المال لا يحقّق السعادة المطلوبة ويفسدها في الغالب، وإذا كان العلم ليس عنواناً للسعادة، فماذا يمتلك المتّقون في تحقيق السعادة؟).

وتوجد صفة أو حالة يتميز بها المتّقون عن غيرهم، وهي (الرضا بما قسم الله تعالى لهم)، وهذه في الحقيقة هي جوهر السعادة لجميع الناس المتقين، لأن السعادة التي تُستخلَص من التقوى، تكون سعادة خالصة وعظيمة، تمنح الإنسان حالة من الاستقرار النفسي، لا يمكن أن تتوفر لغيره من الناس.

وتوجد معادلة طردية أو تناسبية تؤكد على أن نسبة سعادة الإنسان تتأتى من نسبه رضاه بما قسم الله تعالى له، وهذا يعني أنك كلما كنت راضيا بما قسم الله لك، ستكون سعيدا بمقدار هذا الرضا المتأتي أصلا من التقوى والإيمان ومراعاة الناس في حقوقهم.

كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي حينما يقول:

(إنّ أهم ما لدى المتّقين هو الرّضا بما قسم الله تعالى لهم، فالرضا هو عنوان السعادة، والإنسان بنسبة ذلك الرضا يكون سعيداً، فإذا كان رضاه 50 % كانت نسبة سعادته 50% أيضاً. والرضا معناه أن ترضى بما قسم الله لك به من مال وأولاد ودار وسلامة بدن، فسواء رزقك الله هذه النِعم أم لم يرزقك، تقبل وترضى عن قسمتك من دون اعتراض أو شكاية).

وحين نتفحص المحبط الاجتماعي من حولنا، يمكننا أن نلاحظ ما يعاني السجناء من حالة القلق والأمراض النفسية، ومن ثم تعرض العديد منهم إلى الأمراض النفسية وحالات الجنون والانشغال بمراجعة الأطباء والمستشفيات للتطبيب.

خطوات تبني ضمير الإنسان

وهنا يتبادر أيضا سؤال مهم، هل يمكن أن نجد إنسانا متقيا يدخل ضمن قائمة المساجين؟، بالطبع كلا، لأن التقوى تحمي الإنسان من الانزلاق في دروب الخطيئة، فالمتقي لا يدخل في دائرة الصراعات الدنيوية ولا ينظر لأي صراع في الدنيا على أنه يستحق الدخول في مماحكات وصراعات، لأنه يؤمن بما كتبه الله تعالى له، فلن يكون مستعدا على هذا النوع من الصراعات حول المغانم الدنيوية الزائلة.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: 

(إنّ أغلب السجناء يخضعون لمعالجات نفسية بسبب تدهور حالاتهم الصحية والنفسية والعصبية، وسوف يدخلون المستشفيات ودور المجانين، فهل تجد واحداً من المتّقين في قائمة هؤلاء السجناء؟ في الواقع إنّ المتّقي الذي له واقع التقوى وليس لفظاً لا يعاني من أمراض نفسية وأمراض عصبية شديدة). 

وقد يخطر في البال هذا السؤال، كيف للمتقي أن ينجو من هذه الصراعات حول مغانم الدنيا، ألم يكن هو من البشر، وهل لا توجد أحاسيس ومساعر وغرائز لديه، فكيف يحمي نفسه من هذه القضايا التي توجد في جميع الناس؟

الجواب إن الإنسان المتقي بشر لا يختلف عن الآخرين في الخَلْق، ولكن الاختلاف في تحصيله للتقوى، ووجود الضمير عنده، لهذا فهو يختلف عمَّن تغريه الدنيا، وتستدرجه الأحابيل الشيطانيه وتجعله صريعا لشهواته وغرائزه، لهذا إذا أردت أيها الإنسان أن تكون سعيدا في دنياك وآخرتاك، فعليك بالتقوى والضمير.

وهذا ما يطرحه سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في السؤال التالي: 

(لنسأل هل المتّقي ليس ببشر؟ أليس له أحاسيس وآلام؟ أليس له غريزة الحبّ والبغض وحبّ الراحة؟ بلى، المتّقي له أحاسيس وغزائز وتعتريه مشاكل وصعوبات، لكنّها لا ترتقي إلى حدّ فقدان الأعصاب والإصابة بالأمراض النفسية لأنّ الدنيا صغّرت في عينيه).

الحصول على السعادة والاطمئنان النفسي بات واضحا للجميع، فمن يرغب في ذلك عليه أن يسعى بجدية وتنظيم وإرادة حقيقية لكي يكون متقّي النفس والضمير، لأن طريق الفوز بالسعادة بات واضحا ومعروفا، فعليك الرضا بما كتبه لك الله تعالى مع سعيك في إطار الأحكام، وضمن حدود الحلال وتجنب التورّط في الحرام. 

اضف تعليق