إن معركة العراق مع البيئة هي معركة وجود حقيقية، والنجاح فيها يتطلب تكاتفاً غير مسبوق بين القرار السياسي الشجاع والوعي الشعبي والجهد العلمي الرصين، فالمستقبل يبدأ من إجراءات اليوم، وكل تأخير يعني تعميقاً للأزمة وفتحاً للأبواب أمام مخاطر قد يصعب تداركها لاحقاً...
بقلم: م.م. أنس حميد حسن
يستيقظ العراق اليوم على واقع بيئي مقلق تتداخل فيه الأزمات وتتعاظم آثارها على الإنسان والأرض معًا، فنهرا دجلة والفرات اللذان شكّلا عبر التاريخ شريان الحياة والحضارة يعانيان اليوم من تراجع مناسيب المياه وازدياد التلوث، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي ويضع مستقبل الزراعة على المحك. ولا تقف الأزمة عند حدود المياه.
إذ تشهد المدن العراقية تدهورًا متزايدًا في نوعية الهواء نتيجة الانبعاثات الصادرة عن المصانع والمركبات، فضلًا عن حرق النفايات بطرق عشوائية، ما أدى إلى ارتفاع مستويات التلوث وانتشار الملوثات الضارة بالصحة العامة.
في المقابل، يزحف التصحر بوتيرة متسارعة محوّلًا مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ قاحلة بعد أن فقدت خصوبتها بفعل شح المياه وسوء إدارة الموارد الطبيعية، وهو واقع لا يهدد الإنتاج الزراعي فحسب، بل يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على السكان ولا سيما في المناطق الريفية.
إن هذا المشهد القاتم لا يمكن فصله عن سياق التحديات الوجودية التي تواجهها الدولة، فالتغير المناخي والجفاف ليسا مجرد ظواهر طبيعية عابرة، بل هما مضاعف للأزمات يمتد أثره ليطال الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي في الصميم.
لذا فإن استكمال الصورة يتطلب الغوص في عمق الحلول التي تتجاوز التوصيف التقليدي إلى التنفيذ الفعلي، حيث تبرز الحاجة الملحّة لثورة تقنية شاملة في إدارة الموارد المائية، إذ إن الاعتماد على طرق الري البدائية التي استنزفت الثروة المائية لعقود لم يعد خياراً متاحاً، بل صار لزاماً التحول نحو الري الذكي ومنظومات التنقيط والرش المدعومة بتقنيات استشعار الرطوبة، وهو ما سيقلل الهدر بنسبة قد تتجاوز الستين بالمئة، بالتوازي مع تفعيل مشاريع حصاد المياه في الوديان لمنع ضياع مياه الأمطار والسيول الموسمية في المصبات الملحية بلا فائدة.
وعلى جبهة المواجهة مع التصحر، تبرز استراتيجية الأحزمة الخضراء كضرورة أمن قومي وليست مجرد تجميل للمدن، إذ يجب إطلاق مبادرة وطنية كبرى للتشجير الممنهج تعتمد على أنواع نباتية تقاوم المناخ القاسي كالسدر والزيتون والنخيل، مع العمل الجاد على استصلاح التربة باستخدام المخصبات العضوية لاستعادة خصوبة الأراضي التي قتلتها الملوحة.
هذا المسار يتكامل بالضرورة مع تحول حقيقي نحو الطاقة النظيفة، يبدأ من التوقف الفوري عن حرق الغاز المصاحب في الحقول النفطية وتحويله إلى وقود لمحطات الكهرباء، وهو ما سيؤدي لتقليل الغازات الدفيئة بشكل ملموس، فضلاً عن تقديم تسهيلات حقيقية للمواطنين والمصانع لتركيب منظومات الطاقة الشمسية لتخفيف الضغط عن الشبكة الوطنية والتقليل من سموم المولدات الأهلية التي تخنق هواءنا وتزيد من هشاشة وضعنا البيئي.
أما ملف النفايات، فيجب أن ينتقل من كونه عبئاً بيئياً ثقيلاً إلى فرصة اقتصادية واعدة عبر تبني مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يبدأ من فرض آليات لفرز النفايات من المصدر ومنع الحرق العشوائي نهائياً، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في مصانع التدوير لتحويل البلاستيك والمعادن وحتى النفايات العضوية إلى موارد وأسمدة زراعية عالية الجودة.
ولا ننسى أن العراق لا يمتلك كافة مفاتيح الحل وحده، مما يجعل الدبلوماسية البيئية وتدويل ملف المياه ضرورة قصوى لاستحصال حصص مائية عادلة من دول الجوار عبر استخدام أوراق الضغط الاقتصادي والتنسيق الإقليمي لمراقبة التغيرات المناخية وتخفيف حدة العواصف الغبارية العابرة للحدود.
وفي نهاية المطاف، يبقى تحديث التشريعات البيئية وفرض عقوبات صارمة على المؤسسات والمنشآت التي تلوث الأنهار، جنباً إلى جنب مع إدراج التربية البيئية في المناهج الدراسية، هما الضمانة الحقيقية لخلق وعي مجتمعي يحمي هذه المكتسبات. إن معركة العراق مع البيئة هي معركة وجود حقيقية، والنجاح فيها يتطلب تكاتفاً غير مسبوق بين القرار السياسي الشجاع والوعي الشعبي والجهد العلمي الرصين، فالمستقبل يبدأ من إجراءات اليوم، وكل تأخير يعني تعميقاً للأزمة وفتحاً للأبواب أمام مخاطر قد يصعب تداركها لاحقاً. الأوان لم يفت بعد، لكن نافذة الفرص تضيق يوماً بعد آخر أمام الجميع.



اضف تعليق