ما يعيشه العراق لا يمكن قراءته كأزمات منفصلة، بل كحالة تراكمية نتجت عن بناء النظام السياسي على أسس تقاسم السلطة بدلا من المؤسسات. ان التداخل بين النظام غير المستقر والإدارة الضعيفة يخلق دائرة مغلقة تعيد إنتاج الأزمات، وتجاوز ذلك يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس القانون والكفاءة لا التوازنات السياسية...

ما الذي يجعل الأزمات في العراق تتكرر بالصيغة نفسها تقريبًا، رغم تغيّر الحكومات وتبدّل الشعارات؟ ولماذا تبدو المعالجات غالبًا جزئية، بينما يبقى جوهر المشكلة حاضرًا في الخلفية؟ وهل ترتبط الأزمة بطبيعة النظام السياسي، أم بطريقة إدارة الدولة، أم بتشابك عوامل داخلية وخارجية جعلت الواقع أكثر تعقيدًا من أي تفسير أحادي؟

في الواقع، ما يعيشه العراق لا يمكن قراءته كأزمات منفصلة أو طارئة، بل كحالة تراكمية ممتدة تشكلت عبر سنوات ما بعد 2003. خلال هذه المرحلة، أعيد بناء النظام السياسي على أسس قائمة على تقاسم السلطة، أكثر من اعتمادها على بناء مؤسسات دولة متماسكة. هذا التحول لم ينتج استقرارًا مؤسسيًا واضحًا، بل أوجد بيئة تتعدد فيها مراكز القرار وتتداخل فيها الصلاحيات، ما جعل صناعة القرار العام عملية معقدة وبطيئة ومليئة بالتجاذبات.

ومع مرور الوقت، لم تنجح الدولة في ترسيخ إدارة تعتمد على الكفاءة بوصفها معيارًا أساسيًا، بل ظلت شبكات النفوذ والولاءات السياسية حاضرة في بنية المؤسسات. هذا الأمر انعكس مباشرة على أداء الجهاز الإداري، وأضعف قدرته على التعامل مع الأزمات بشكل استباقي، فصار رد الفعل هو القاعدة، بدل التخطيط طويل الأمد. وفي ظل اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، أصبحت الدولة أكثر هشاشة أمام أي تقلب اقتصادي، بحيث تتحول الأزمة المالية إلى أزمة سياسية واجتماعية في وقت واحد.

لكن المشهد لا يكتمل دون النظر إلى العامل الخارجي، حيث يقع العراق في منطقة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة. هذا الموقع جعل البلد عرضة لتأثيرات مستمرة لا تتوقف عند حدود السياسة الخارجية، بل تمتد إلى الداخل عبر قنوات سياسية وأمنية واقتصادية. ومع تعدد هذه التأثيرات، يصبح القرار الوطني في كثير من الأحيان محكومًا بتوازنات معقدة، ما يحدّ من استقلاليته ويؤجل حسم الكثير من الملفات.

في الداخل، يبرز ضعف المساءلة القانونية كأحد أكثر العوامل تأثيرًا في استمرار الأزمة. حين تغيب المحاسبة الفعلية، تتوسع مساحة الخطأ دون كلفة حقيقية، وتتحول بعض الممارسات غير الكفوءة إلى نمط متكرر داخل المؤسسات. هذا الواقع لا يؤدي فقط إلى تفشي الفساد، بل يضعف أيضًا ثقة المواطن بالدولة، ويعمّق الفجوة بين الطرفين، وهو ما يجعل أي إصلاح أكثر صعوبة.

وعند محاولة تفكيك طبيعة الأزمة، يظهر أنها ليست أزمة نظام فقط ولا إدارة فقط، بل نتيجة تداخل بين الاثنين. النظام السياسي نفسه يعاني من اختلالات بنيوية، بينما تعاني الإدارة من ضعف في المهنية والقدرة التنفيذية. هذا التداخل يخلق دائرة مغلقة؛ نظام غير مستقر ينتج إدارة ضعيفة، وإدارة ضعيفة تعيد إنتاج نفس اختلالات النظام.

إلى جانب ذلك، تلعب الانقسامات الاجتماعية والسياسية دورًا مهمًا في تعقيد المشهد. فبدل أن تبقى الاختلافات جزءًا من التنوع الطبيعي، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات في التنافس السياسي، ما جعل القرار العام يخضع لحسابات التوازن أكثر من خضوعه لمبدأ المصلحة العامة. وهذا بدوره يبطئ أي عملية إصلاح ويجعلها عرضة للتجزئة والتأجيل.

حتى على مستوى التخطيط، يظهر خلل واضح بين الرؤية والتنفيذ. الخطط غالبًا ما تُبنى كردود فعل للأزمات بدل أن تنطلق من رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وعندما تُطرح مبادرات إصلاحية، فإنها تصطدم بعوائق تنفيذية مثل البيروقراطية وتضارب الصلاحيات والفساد الإداري، فتظل الفجوة قائمة بين ما يُعلن وما يُطبق فعليًا.

ولا يمكن تجاهل دور الإعلام في هذا السياق، إذ أصبح أحد الفاعلين المؤثرين في تشكيل الوعي العام. حين يؤدي الإعلام دوره المهني، يمكن أن يسهم في كشف الاختلالات وتعزيز الشفافية، لكنه في بعض الحالات يتحول إلى جزء من الصراع السياسي، ما يؤدي إلى تضخيم الأزمات بدل فهمها، ويزيد من حالة الاستقطاب داخل المجتمع.

ورغم هذا التعقيد، تبقى الأزمات في جوهرها ليست نهاية الطريق، بل لحظات تكشف مكامن الخلل وتفتح إمكانية إعادة التفكير. لكن تحويل الأزمة إلى فرصة يتطلب أكثر من نوايا إصلاحية؛ يتطلب رؤية سياسية واضحة، وقدرة على اتخاذ قرارات غير شعبوية، وإرادة لبناء مؤسسات تعمل بمعايير الكفاءة لا التوازنات.

وفي قلب كل ذلك، يبقى التعليم عنصرًا حاسمًا، لأنه المجال الذي يُعاد فيه تشكيل الوعي العام. فالنظام التعليمي القادر على بناء التفكير النقدي وتعزيز مفهوم المواطنة يمكن أن يخلق جيلًا مختلفًا في تعاطيه مع الدولة والمجتمع، بينما استمرار ضعف التعليم يعني إعادة إنتاج نفس أنماط الوعي التي تغذي الأزمة بدل أن تحلها.

في المحصلة، ما يعيشه العراق ليس حالة بلا مخرج، بل منظومة تراكمت عبر الزمن وأصبحت قابلة للفهم والتفكيك. لكن تجاوزها لا يتحقق عبر حلول جزئية أو آنية، بل عبر إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس واضحة، يكون فيها القانون والمؤسسات والكفاءة هي المرجعية الأساسية، لا الاستثناء.

اضف تعليق