إنَّ الزمنَ الجميلَ الذي يُطبّلُ له البعضُ هو الزمنُ الذي كان يُساقُ فيه الناسُ إلى حتفِهم مثلَ الخرافِ؛ أجيالٌ ذهبتْ حطباً لحروبٍ هوجاءَ، ومعتقلاتٌ سُلِختْ فيها جلودُ الأبرياءِ. إنَّ تجميلَ البشاعةِ بصورٍ سطحيةٍ للشوارعِ والمقاهي هو تزييفٌ لذاكرةِ شعبٍ اكتوى بنارِ الدكتاتوريةِ، فالمشكلةُ لم تكنْ في غيابِ المنجزِ بل في سحقِ كرامةِ الإنسانِ...
لازال البعض يطلق على حقبة الدكتاتور بالزمن الجميل من خلال نشر بعض الصور القديمة للشوارع والأحياء والمقاهي والمدن وهي طريقة ماكرة لمدح النظام المباد والتفاخر بمنجزاته الوهمية ولا أعرف كيف يفكر هؤلاء باختزال مرحلة كاملة من الوحشية والدم والبشاعة وتأثرهم بمشاهد سطحية وصور ومناظر تافهة. لقد كانت ألمانيا في زمن هتلر دولة صناعية كبرى لكن لا أحد نشر أو كتب أو احتفل أو تغزل بالفكر النازي. الزمن الجميل الذي يطبل له هؤلاء هو الزمن الذي كان يُساق فيه الناس إلى حتفهم مثل الخراف، أجيال ذهبت حطباً لمعارك وحروب هوجاء. هل حضر أصحاب ترويج فكرة الزمن الجميل حفلات التعذيب والجلد والقتل والمقابر الجماعية والإعدامات حتى نالت من الأطفال وصغار السن؟ لماذا لم يظهر لنا أصحاب الزمن الجميل تلك المواقف البشعة حينما كانت تأتي سيارات الأمن لتقتاد الأبرياء إلى المعتقلات لتسلخ جلودهم بالسياط والكهرباء ثم يُقتلوا بطرق مختلفة من دون محاكمة أو إدانة واضحة.
ومن لا يعرف فإن أبطال زمن المقبور يعيشون بيننا وبعضهم لديهم مناصب متنفذة بعد أن قلبوا المعطف وغيروا جلودهم فبدل أن كانوا يتفاخرون بالعوجة وتكريت الآن يتفاخرون بانتمائهم لبعض مدن العتبات المقدسة. هل يحتفظ أصحاب الزمن الجميل بصور الجنود في كراج النهضة وهم يلتحقون بجبهات القتال والخوف والقلق يرسم على وجوههم لوحة الزمن الجميل؟ في الزمن الجميل تم تعطيل التفكير من خلال الإرهاب والخوف والعنف وكتابة التقارير والوشاية والتربص، حيث تراجعت القيم والأخلاق والضمير والوجدان. أثناء الزمن الجميل كانت سمة العصر الاستعراض والتباهي والاستهتار والتجاوز على حياة الناس وخصوصياتهم ومقدراتهم وكرامتهم. داخل الزمن الجميل كان الشباب يقضون أكثر من نصف أعمارهم في الجيش مجبرين على خوض حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. في الزمن الجميل لهدام (صدام)، كانت الأمهات ينتظرن لسنوات على شرفات المنازل يتأملن عودة الابن الغائب من خلف قضبان المعتقلات. لا أعرف إن كان جماعة الزمن الجميل قد عاشوا زمناً آخر غير الزمن الذي عشناه، ربما عالمهم يختلف عن عالمنا نحن من اكتوينا بنار الدكتاتورية وحروبها وسجونها، كيف لهم بعد كل هذا التاريخ الذي اختلط فيه الحبر مع الدمع أن يمجدوا كل تلك البشاعة التي سحقت أجيالاً.
لقد اختلفنا في كل شيء حتى في تفسير التاريخ والزمن وانقسم الناس بين من يؤيد الزمن الجميل وبين من هم ضحايا ذلك الزمن، خاصة وأن السلطة كانت تريد تغيير حتى التاريخ من خلال رؤية السلطة بالقوة. صحيح أنه في نهاية المطاف تم إعدام الدكتاتور لكن نسق الطاغية وثقافته ما زال موجوداً كعقلية وطريقة في إدارة السلطة والمجتمع. وعليه ليس كل من يطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية والنزاهة ممكن أن يطبقها عندما يصل إلى السلطة، إذا لم يثقف نفسه ثقافة سياسية ولديه مشروع واضح لم يكن محصناً بمشروع فكري واضح لإدارة مستقبل الدولة. كل الذين ذهبوا للسياسة بذهنية القساوسة أو المحاربين وحكايات عن المزبن والنضال وأرادوا أن ينقلوا تجاربهم إلى السلطة فشلوا فشلاً ذريعاً في محاولة العبور نحو مشروع وحلم الدولة العادلة والكريمة.
من يصارع الطغاة قد يقلدهم في أساليبه ما لم يكن محصناً بكفاءة وفكر ونزاهة وصدق مع الذات. زمن هدام لن يعاد لكننا بحاجة لزمن جديد تولد فيه العدالة لا الظلم، والديمقراطية لا الفاشية، والحقيقة لا المنفعة والزيف. انظروا إلى أين انتهى بنا المطاف بسبب ذلك الزمن الجميل وسنوات الحكم القاسية وكيف تمت صناعة الإنسان المسحوق، ولأن البديل جاء من دون مشروع دولة ما عدا الحيازة، حيازة السلطة والثروة، حتى انتهى بنا المطاف إلى ما نحن فيه من انتشار الأمية السياسية والجهل والسطحية وهذه البنية العقلية المنحرفة أخذت تأخذ شكل الممارسات اليومية في محيط كل شيء فيه أصبح مكرراً ومتشابهاً. وهذا ما جعل دعاة الزمن الجميل ينشطون ويصفقون لزمان هو ليس زماننا وإنما زمانهم. فمن المخدوع نحن أم هم؟



اضف تعليق