يُمثلُ ترامب نموذجاً للشخصيةِ النرجسيةِ الخبيثةِ التي تعتمدُ الكذبَ الأسودَ كاستراتيجيةٍ لتقويضِ دولةِ المؤسساتِ والهيمنةِ على الروايةِ السياسيةِ. وإنَّ خطورتَهُ تتجاوزُ الداخلَ الأمريكيَّ لتهددَ السلمَ العالميَّ والتضامنَ الأمميَّ، حيثُ تتحولُ السياسةُ على يدِهِ من فنِّ الممكنِ إلى أداةِ تضليلٍ وابتزازٍ تضعُ العالمَ أمامَ أزماتٍ اقتصاديةٍ وأخلاقيةٍ...
تشكل حقبة ترامب الثانية أشد خطورة وتهديداً للسلم العالمي وللاقتصاد الدولي وكذلك للأمن العالمي وللتضامن الأممي فقد أخل ترامب بكل المواثيق الأممية عبر هجومه على المنظمات الإنسانية والانسحاب منها وقطع التمويل عنها وفي مقدمة تلك المنظمات هي الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والبيئة وغيرها وقطع التمويل عن برامج الغذاء العالمية وقد شكل سلوك ترامب العدائي المصلحي تهديداً للقيم الإنسانية ويشكل سلوكه كراهية مطلقة للحلفاء والأعداء على السواء.
يمارس ترامب الكذب المتعمد وخلق الروايات المفتعلة التي تلحق الضرر بالمجتمع الأمريكي والدولي ويعيد إنتاجها مراراً وتكراراً في محاولات منه لتحويلها إلى حقائق ويمارس الضغط والابتزاز على العالم لتصديقها. ترامب لا يمارس السياسة باعتبارها فن الممكن أو براغماتية بل إنه يمارس السياسة كأسلوب للتضليل والخداع للاستحواذ على موارد الدول وأموالها بحجة الدفاع عنها ثم التخلي عنها كما حصل لدول الخليج العربي عندما قصفتها إيران وتقصفها يومياً في الحرب الدائرة.
ترامب تجاوز كل المحرمات السياسية حيث يرى أن السياسة هي الوصول للنتائج بأي ثمن، “نجح” في تحريك ملفات كانت تعتبر “راكدة” عبر قرارات جريئة (مثل اتفاقيات إبراهام في الشرق الأوسط أو الضغط على حلف الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي) أو إلغاء الكثير من المعاهدات الدولية كما حصل في دورته الرئاسية الأولى بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران. ترامب لا يؤمن بدولة المؤسسات كالقضاء والسلطة التنفيذية والمؤسسات الاستخباراتية والإعلام سواء في الداخل الأمريكي أو خارجه ويعتبر نفسه المصدر الوحيد لصدق المعلومة وعلى كل من يعمل معه من طاقم سياسي أو مهني أن يدور في فلكه والاستماع الخانع له.
إن صفة الكذب عند ترامب ليست مجرد “زلة لسان”، بل هي استراتيجية تواصل متعمدة تقوم على إعادة صياغة الواقع بما يخدم صورته الذهنية كقائد قوي متهور ممتلك للصلاحيات الواسعة ولكنه لا يخضع لمعايير “النخبة” أو “المؤسسات”. ترامب يجيد تكرار التصريحات السابقة والانتقاد الدائم لسابقيه بدون حياء وخلق سياسي في محاولات منه لتجميل الكذب واعتباره حقائق مطلقة يجب على أعدائه وأصدقائه تصديقها والعزف على أوتار الشعبوية في التعبئة الجماهيرية لشق المجتمع الأمريكي والإساءة إلى شعوب العالم وتكريس كراهية الشعب على أساس عرقي وديني وثقافي.
ترامب يرى في المرونة السياسية لا مانع لديه في تغيير موقفه 180 درجة إذا كان ذلك يخدم مصلحته الآنية أو يمنحه نفوذاً أكبر في التفاوض في قضية ما، وهو ما يراه أنصاره قمة الذكاء السياسي بينما يراه العالم قمة الانتهازية والانهيار الأخلاقي وتهديداً لمصداقية أمريكا الديمقراطية وانهيارها على يده. لا يتعامل ترامب مع المعلومة كقيمة مجردة وموضوعية ممكن أن تنفى أو تثبت، بل كأداة لخلق عدو مشترك: مثل مهاجمة “الإعلام الكاذب” ليجعل من نفسه المصدر الوحيد للحقيقة بالنسبة لمتابعيه. الهيمنة على الرواية: من خلال إغراق الساحة الإعلامية بتصريحات متناقضة، يضعف قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والشائعة.
تتجلى خطورة ترامب في شن الحروب الداخلية والخارجية وضرب الاقتصاد العالمي في الصميم والرغبة في السيطرة على مصادر الطاقة في العالم كما حصل لنموذج فنزويلا والرغبة للاستحواذ على كوبا وجزيرة كرين لاند والطموح لإخضاع إيران لأجندته العدوانية.
يمثل ترامب نموذجاً للشخصية النرجسية الخبيثة يتمتع بثقة مفرطة بالنفس، ويرى نفسه “منقذاً” أو الوحيد القادر على حل المشكلات العالمية المعقدة، يحتاج باستمرار إلى الإعجاب والتقدير من المحيطين به والاستماع إليه والثناء على أخطائه المدمرة، إنه نموذج يهدد الاستقرار والسلم الدوليين بحروب وانتكاسات وأزمات اقتصادية لا يمكن للعالم أن يشفى منها إلا بالخلاص منه.
مما يثير الدهشة والانتباه والتساؤل أن الكثير من المتابعين ومن مختلف الانتماءات اليسارية واليمينية يرون في سياسات ترامب وسلوكه هو صح وخير مطلق للعالم كله بل يضفون على ترامب صفات العظمة والإعجاب والقدرات الاستثنائية في حل معضلات العالم ويتناسون أن السياسة مصالح وأن البعد الإنساني فيها يخضع للكثير من المساومات التي تلحق الضرر بالعلاقات الدولية والإنسانية وتفكيك المجتمع العالمي. أعتقد أن الإعجاب بشخص ترامب ناتج من تشبع الكثير بثقافة الدكتاتورية والعبادة الفردية التي تشرب فيها الوعي الفردي وقد ترسبت آثارها في اللاوعي في تحريك الفكر والسلوك وضعف القدرة على التحليل السياسي للأحداث بل الكثير يرون في ترامب المنقذ المهدوي للعالم.
سوف تنتهي دورة رئاسة ترامب أسوة بمن سبقوه وسوف يكتب عن نفسه أو يكتب عنه المقربين منه أين أخطأ وأين أصاب أما المعجبين به بدون شروط ستلفهم الحيرة مما حصل حيث غياب المنقذ !!!!.



اضف تعليق