لا يكفي منحُ الإذنِ بالردِّ في ظلِّ غيابِ منظوماتِ تسليحٍ متطورةٍ أو بنيةٍ استخباريةٍ قادرةٍ على تحديدِ مصادرِ التهديدِ بدقةٍ؛ فالتصريحاتُ وحدَها لا تردعُ المخاطرَ، والجاهزيةُ العسكريةُ لا تُبنى بالأمنياتِ بل بالتخطيطِ الرشيدِ. إنَّ سيادةَ العراقِ ترهنُ بامتلاكِ قوةِ ردعٍ حقيقيةٍ تتجاوزُ الانشغالَ بالأمنِ الداخليِّ نحو بناءِ منظومةِ دفاعٍ جويٍّ وتقنيٍّ متكاملٍ...
على امتداد أكثر من عشرين عاماً، لم تنجح الحكومات العراقية المتعاقبة في بناء منظومة عسكرية قادرة على الردع الحقيقي أو حماية السيادة الوطنية من التهديدات الخارجية، رغم ما أُعلن مراراً عن خطط للتطوير والتسليح وإعادة الهيكلة، واليوم تعود هذه الإخفاقات إلى الواجهة بوضوح، مع تكرار الاستهدافات التي تطال مواقع أمنية وعسكرية، في مشهد يكشف فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
منذ عام 2003، انصب التركيز بشكل كبير على إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية لمواجهة التحديات الداخلية، خصوصاً الإرهاب، وهو ما كان مبرراً في حينه، غير أن هذا التوجه استمر حتى بعد تراجع التهديدات الداخلية نسبياً، دون أن يقابله تحول جدي نحو بناء قدرات دفاعية متقدمة قادرة على مواجهة الأخطار الخارجية. وبدلاً من تطوير منظومات دفاع جوي فعالة، أو تحديث سلاح الجو بشكل يواكب التحديات، ظل العراق يعتمد على إمكانات محدودة لا تتناسب مع حجم التهديدات المحيطة به.
الواقع الحالي يقدم شواهد ملموسة على هذا القصور، فالاستهدافات المتكررة لبعض المواقع العسكرية والأمنية، سواء عبر ضربات جوية أو عمليات دقيقة، تمر في كثير من الأحيان دون رد فعلي مكافئ، رغم التصريحات الرسمية التي تؤكد منح القوات الأمنية صلاحيات الرد، وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن الرد، وبأي أدوات؟ إذ لا يكفي منح الإذن بالرد في ظل غياب منظومات تسليح متطورة أو بنية استخبارية قادرة على تحديد مصادر التهديد بدقة.
لقد أنفقت الحكومات العراقية مليارات الدولارات على قطاع الأمن والدفاع، لكن جزءاً كبيراً من هذه الأموال لم يترجم إلى قدرات حقيقية على الأرض، تعثرت صفقات تسليح، وتأخرت برامج تدريب، وتعرضت بعض المشاريع لشبهات فساد أو سوء إدارة، ما أدى إلى إضعاف فعالية المؤسسة العسكرية، كما أن غياب استراتيجية دفاعية واضحة تحدد أولويات التسليح والتطوير، ساهم في تشتيت الجهود والموارد.
إضافة إلى ذلك فإن التداخل بين القرار السياسي والعسكري ألقى بظلاله على أداء المؤسسة الأمنية، ففي كثير من الأحيان، تخضع القرارات العسكرية لحسابات سياسية أو توازنات داخلية، ما يحد من قدرة القوات على التحرك بمرونة واستقلالية، هذا الواقع جعل من الصعب بناء عقيدة عسكرية موحدة، قادرة على التعامل مع التهديدات الخارجية بشكل احترافي. ولا يمكن تجاهل عامل الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي، سواء في مجال التدريب أو التسليح أو حتى المعلومات الاستخبارية، فبدل أن يكون هذا الدعم مرحلياً وموجهاً نحو بناء قدرات ذاتية، تحول في بعض الأحيان إلى حالة من الاتكالية، أبطأت من عملية تطوير منظومة دفاع مستقلة.
في المقابل فإن التهديدات لم تتوقف، إذ تطورت من حيث الأسلوب والتقنيات، ما يفرض على العراق إعادة النظر بشكل جذري في مقاربته للأمن والدفاع، فالحروب الحديثة اعتمدت على القوة التقليدية والطائرات المسيرة فضلاً عن الهجمات السيبرانية، والعمليات الدقيقة التي تتطلب استجابة سريعة وتقنيات متقدمة.
معالجة هذا الإخفاق المزمن يمكن أن يكون عبر إرادة سياسية حقيقية لوضع استراتيجية دفاع وطني شاملة، تبدأ بتحديد طبيعة التهديدات، وتمر بإعادة هيكلة الإنفاق العسكري، وتنتهي ببناء قدرات متطورة في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، كما أن مكافحة الفساد داخل المؤسسات الأمنية تمثل شرطاً أساسياً لضمان أن تتحول الموارد المالية إلى قوة فعلية.
لا يمكن لأي دولة أن تفرض سيادتها أو تحمي حدودها دون امتلاك قوة ردع حقيقية، والعراق بما يمتلكه من موقع جغرافي حساس وتحديات معقدة، لا يملك ترف الاستمرار في هذا المسار، فالتصريحات وحدها لا تردع التهديدات، والجاهزية العسكرية لا تُبنى بالأمنيات، تبنى بالتخطيط والاستثمار والإدارة الرشيدة.



اضف تعليق