آراء وافكار - مقالات الكتاب

الإنكفاء الأمريكي بعد نهاية الحرب على إيران

وتداعياته على الاقتصاد العالمي ومستقبل الكيان الإسرائيلي

احتمال الانكفاء الأمريكي بعد حرب واسعة يمثل أحد المشاهد التي يناقشها العديد من الباحثين في حقل العلاقات الدولية، ذلك بالنظر لما قد تخلّفه الحروب الكبرى من آثار اقتصادية وإستراتيجية بعيدة المدى، وفي ظل هذا المشهد، قد يشهد الاقتصاد العالمي حالة من الركود أو الشلل المؤقت، بينما قد يواجه الكيان...

شهدت العلاقات الدولية في العقود الأخيرة تحولات عميقة تعكس انتقال النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى حالة أكثر تعقيداً وتعددية في مراكز القوة، إذ أفرزت الحروب والصراعات الكبرى التي خاضتها الولايات المتحدة في مناطق مختلفة من العالم إرهاقا إستراتيجيا واقتصاديا وسياسيا، الأمر الذي قد يقود –في حال اندلاع حرب واسعة النطاق أو استمرار صراعات استنزافية– إلى حالة من الإنكفاء الأمريكي عن أداء دور القوة المهيمنة في النظام الدولي. 

يطرح هذا الاحتمال جملة من التداعيات الجوهرية، ليس على الاقتصاد العالمي فحسب، إنما على بُنية التحالفات الدولية ايضا وفي مقدمتها مستقبل الكيان الإسرائيلي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأمريكي، وإن مقومات بقاء هذا الكيان واستمراره يقوم على أساس من الدعم الخارجي وليس لما يستند عليه من عناصر قوة ذاتية، فضلا عن مشروعية قيامه وما تحيق به من أزمات بنيوية رأسية، منها ما يتعلق بهوية الدولة، طبيعة نظام الحكم فيه، حدوده الجغرافية، الدوافع والأهداف التي قام عليها.

أولاً- الانكفاء الأمريكي وتراجع القدرة القيادية:

منذ نهاية الحرب الباردة وبخاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة التي تقود النظام الدولي سياسيا واقتصاديا وعسكريا، غير أن العقود الأخيرة كشفت عن تزايد مظاهر الإرهاق الإستراتيجي بفعل الانخراط الطويل في حروب مكلفة، مثال ذلك، الحرب في أفغانستان والعراق، فضلا عن التحديات الاقتصادية الداخلية وارتفاع مستويات الدين العام وتزايد الاستقطاب السياسي داخل المجتمع الأمريكي.

إن أي حرب واسعة تدخلها الولايات المتحدة –ولا سيما إذا امتدت زمنيا وتسببت بخسائر اقتصادية وبشرية كبيرة – قد تدفعها إلى إعادة تقييم دورها العالمي، بما يقود إلى نوع من الإنكفاء الإستراتيجي أو تقليص الانخراط العسكري في مناطق التوتر. ويُفسَّر هذا الإنكفاء في إطار ما يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـالواقعية الدفاعية، إذ تميل القوى الكبرى إلى تقليص التزاماتها الخارجية عندما تتجاوز الكلفة المتوقعة المصالح المرجوة، كما شهدت ذلك بريطانيا من قبل.

ثانياً- شلل الاقتصاد العالمي وتداعيات الحرب طويلة الأمد:

إن اندلاع حرب كبرى بين قوى إقليمية أو دولية من شأنه أن يؤدي إلى اضطرابات عميقة في الاقتصاد العالمي. فالعالم اليوم يقوم على شبكة معقدة من سلاسل الإمداد والتجارة والطاقة والاستثمارات المالية العابرة للحدود. وإن أي صراع واسع قد يؤدي إلى ما يأتي:

1. تعطّل طرق التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والتوريد.

2. ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة والمواد الأولية.

3. اضطرابات في أسواق المال العالمية وانهيارات محتملة في البورصات.

4. ركود اقتصادي عالمي قد يمتد لسنوات طويلة.

وفي ظل اقتصاد عالمي مترابط، واعتمادية دولية متبادلة، فإن تراجع الدور الأمريكي –بوصفه المحرك الأكبر للاقتصاد العالمي– قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار المالي والاقتصادي، وبخاصة إذا ما ترافق مع فقدان الثقة في المؤسسات المالية الدولية التي نشأت في ظل القيادة الأمريكية للنظام الاقتصادي العالمي.

ثالثاً- انعكاسات الانكفاء الأمريكي على الكيان الإسرائيلي:

يعد الكيان الإسرائيلي أحد أبرز الحلفاء الإستراتيجيين للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، إذ يعتمد بشكل كبير على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي، حيث يشمل هذا الدعم المساعدات العسكرية السنوية، والتغطية السياسية في المؤسسات الدولية، فضلا عن التعاون التكنولوجي والاستخباراتي.

بيد أن هذا الارتباط الوثيق يجعل الكيان الإسرائيلي عرضة للتأثر المباشر بأي تراجع الدور الأمريكي. ففي حال حدوث إنكفاء أمريكي نتيجة حرب واسعة -كما هو المرجح في حربها الآن على إيران- أو أزمة اقتصادية داخلية، فإن الكيان الإسرائيلي قد يواجه تحديات وجودية متعددة، لعل من أبرزها:

1. تراجع الدعم العسكري والسياسي الدولي الذي طالما وفرته الولايات المتحدة في المحافل الدولية.

2. انكشاف أمني إستراتيجي في مواجهة القوى الإقليمية المعادية، في ظل محدودية العمق الجغرافي للدولة الإسرائيلية.

3. تصدع داخلي قد يتجلى في انقسامات سياسية حادة بين مكونات المجتمع الإسرائيلي، وبخاصة في ظل الأزمات الأمنية أو الاقتصادية الكبرى.

4. هجرة عكسية محتملة نتيجة فقدان الشعور بالأمن والاستقرار.

رابعاً- احتمالات التصدع البنيوي في المجتمع الإسرائيلي:

إن أحد أهم التحديات التي قد تواجه الكيان الإسرائيلي في حال فقدان المظلة الأمنية الأمريكية يتمثل في هشاشة البُنية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي، الذي يتكون من تيارات دينية وقومية وعرقية متعددة، وقد يؤدي تعرض الدولة لضغوط أمنية واقتصادية كبيرة إلى تفاقم هذه الانقسامات، بما يهدد التماسك الداخلي للنظام السياسي.

كما أن الاقتصاد الإسرائيلي بالرغم من تقدمه التكنولوجي، يرتبط بشكل وثيق بالاقتصاد العالمي وبالاستثمارات الأجنبية والدعم الأمريكي، الأمر الذي يجعله عرضة للتأثر بأي ركود اقتصادي عالمي طويل الأمد.

خامساً- مآلات النظام الدولي بعد الحرب:

في حال تحقق مشهد الإنكفاء الأمريكي، فمن المرجح أن يتجه النظام الدولي نحو مرحلة انتقالية تتسم بتعدد مراكز القوة، إذ تسعى قوى دولية أخرى –مثل الصين وروسيا– إلى ملء الفراغ الإستراتيجي، وقد يدفع هذا التحول إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية وتغيير موازين القوى الإقليمية، خصوصا في مناطق النزاع التقليدية مثل الشرق الأوسط.

خاتمة

إن احتمال الانكفاء الأمريكي بعد حرب واسعة يمثل أحد المشاهد التي يناقشها العديد من الباحثين في حقل العلاقات الدولية، ذلك بالنظر لما قد تخلّفه الحروب الكبرى من آثار اقتصادية وإستراتيجية بعيدة المدى، وفي ظل هذا المشهد، قد يشهد الاقتصاد العالمي حالة من الركود أو الشلل المؤقت، بينما قد يواجه الكيان الإسرائيلي تحديات وجودية نتيجة اعتماده الكبير على الدعم الأمريكي، إلا أن تحقق هذه المشهد يبقى رهنا بجملة من العوامل المعقدة، من بينها مسار الصراعات الدولية، وقدرة الاقتصاد العالمي على التعافي، وطبيعة التحولات الجارية في بنية النظام الدولي.

اضف تعليق