إنَّ الأزماتِ الكبرى لا تُدارُ بالبياناتِ الفارغةِ وحدَها، بل بقراراتٍ حاسمةٍ تجنبُ البلادَ الانزلاقَ نحو النزاعاتِ الإقليميةِ. المشكلةُ تكمنُ في أنَّ إصدارَ البياناتِ صارَ أسهلَ بكثيرٍ من تنفيذِ القراراتِ، مما أنتجَ 'حكومةً رقميةً' تتقنُ التواصلَ وتفتقرُ للقدرةِ على فرضِ السياساتِ على أرضِ الواقعِ...

بعد الاستهداف المباشر لمنظومة الدفاع التابعة للسفارة الامريكية في بغداد، تعرف ان رئيس الحكومة الحالية ليس الا شخصية قيادية الكترونية، قادرة على إطلاق البيانات والاستنكارات، بينما لا أثر يذكر على ارض الواقع، وهو ما يبقي البيانات في خانة إسقاط الفرض او جانب من الدبلوماسية السياسية المتبعة عالميا.

في مثل هذه الظروف تكون الحكومات امام اختبار حقيقي حول إمكانيتها وقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح والمناسب وليس قدرتها على كتابة البيانات الفارغة من الناحية العملية، وقد اتاحت الحرب الأخيرة ظهور ما يمكن ان نسميه بالقيادة الرقمية، التي تجيد إدارة الخطاب الإعلامي، لكنها تعجز عن الإمساك الفعلي بمفاصل الدولة.

منذ تولي محمد شياع السوداني رئاسة الوزراء عام 2022، حاولت الحكومة تقديم نفسها بوصفها حكومة خدمات وإدارة حديثة تعتمد على الأتمتة والرقمنة في الإجراءات، وقد ظهر ذلك بوضوح في الخطاب الرسمي الذي ركز على التحول الرقمي، وإطلاق المنصات الإلكترونية، وتكثيف البيانات الحكومية التي تعلن عن قرارات أو توجيهات بشكل شبه يومي، الا ان هذه الصورة الإعلامية اللامعة تخفي خلفها واقعا سياسيا أكثر تعقيدا.

في العراق لا تكفي الإدارة الرقمية لإدارة السلطة، فمفاصل الدولة موزعة بين قوى سياسية متنافسة، ومراكز نفوذ تمتد من البرلمان إلى المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وفي مثل هذا النظام يحتاج رئيس الحكومة إلى قدرة سياسية عالية على فرض القرار، وليس فقط الإعلان عنه.

المشكلة الأساسية لا تكمن في شخص رئيس الوزراء بقدر ما تكمن في طبيعة النظام السياسي نفسه، فالحكومة الحالية تشكلت بدعم من قوى متعددة داخل ما يعرف بـالإطار التنسيقي، وهو تحالف يضم أطرافا سياسية ذات أجندات متباينة، وهذا التوازن الحساس جعل الحكومة تتحرك غالبا ضمن هامش ضيق، حيث يصبح إصدار البيانات أسهل بكثير من تنفيذ القرارات.

وفي ظل الأزمات الإقليمية المتصاعدة في الشرق الأوسط، يزداد هذا التحدي وضوحا، اذ تتطلب التوترات الأمنية والسياسية في المنطقة حكومة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة، وإدارة الملفات الحساسة مثل الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية بقدر عال من الاستقلالية، بينما الواقع يشير إلى أن الحكومة العراقية ما تزال محكومة بتوازنات داخلية معقدة تحد من قدرتها على الحركة.

هذه الحالة أنتجت ما يمكن وصفه بـالحكومة الرقمية، أي حكومة قادرة على التواصل وإدارة الخطاب العام، لكنها غير قادرة بالقدر ذاته على فرض سياسات حاسمة على أرض الواقع، ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بين ما يقال في البيانات الرسمية وما يحدث فعليا.

ومع دخول المنطقة مرحلة توتر سياسي وأمني متزايد، يواجه العراق اختبارا حقيقيا، ولا يمكن لمثل هذه الأزمات الكبرى لا تُدار بالبيانات وحدها، فهي بحاجة الى قرارات قد تكون غاية في الصعوبة لكنها تجنب البلاد من الانضمام مباشرة الى أحد المحاور طرفي النزاع، وهذا ما يطرح سؤالا جوهريا أمام الحكومة الحالية: هل تستطيع الانتقال من مرحلة القيادة الرقمية إلى مرحلة القيادة الفعلية للدولة؟

الإجابة عن هذا السؤال تحدد مستقبل الحكومة الحالية، كما انها تحدد شكل الدولة العراقية في السنوات القادمة؛ لأن العراق في لحظة التحولات الإقليمية، يحتاج إلى حكومة تتقن إصدار القرارات وقيادة قادرة على الإمساك الحقيقي بمفاصل السلطة.

اضف تعليق