إننا بحاجة إلى كتلة تاريخية تمتلك الجرأة على تجاوز الحسابات الضيقة والانتصار للرؤية الوطنية الشاملة، فالبقاء في منطقة الأمان الزائفة بين قوتين متعاكستين هو في الحقيقة تراجع مقنّع، والقرار الحقيقي الذي ينتظره المستقبل هو الانتقال من مرحلة حفظ التوازن إلى مرحلة صناعة الحركة التي تدفع بالعراق...
بقلم: د. زهراء الحسيني
في فيزياء السياسة كما في قوانين الطبيعة، ثمة خيط رفيع يفصل بين الاستقرار الساكن والجمود القاتل، فبين قوتين متعاكستين تتساويان في المقدار وتتضادان في الاتجاه، لا يولد الحراك بل يولد العدم الذي نسميه نقطة الصفر.
إن معضلة الواقع العراقي اليوم تكمن في أننا حوّلنا التوازن من وسيلة لحماية التنوع إلى غاية بحد ذاتها، فأصبح الحفاظ على "شعرة معاوية" بين الإرادات المتقاطعة أهم من المضي قُدماً نحو بناء الدولة، وهذا ما يجعلنا نراوح في مكاننا بينما يركض الزمن من حولنا.
إن الأسباب التي تقف خلف هذا الشلل تتجاوز التفسيرات التقليدية للمحاصصة، لتصل إلى سيكولوجية الفيتو المتبادل التي تسيطر على العقل السياسي، حيث بات النجاح يُقاس بقدرة كل طرف على منع الآخر من التحرك، بدلاً من التنافس على تقديم الأفضل.
وعندما تتحول المناصب القيادية إلى مجرد أرقام في معادلة الترضية، يفقد المنصب جوهره القيادي وتتحول المؤسسات إلى جزر معزولة يحكمها الشد العكسي. إن لغة الأرقام الصارخة لا تجامل أحداً، فوجود آلاف المشاريع المتلكئة وهدر مليارات الدولارات سنوياً في قطاعات حيوية كالدراسات الاستراتيجية للطاقة، ليس إلا الثمن الباهظ الذي تدفعه الأمة مقابل هذا التوازن المعطل الذي يخشى اتخاذ القرار الحاسم تجنباً لخدش التوافقات الهشة.
إن القراءة النقدية لهذا المشهد تكشف عن زوايا غير مكتشفة، أهمها أن هذا الجمود يولد يأساً بنيوياً لدى الكفاءات الوطنية التي تجد نفسها خارج حلبة شد الحبال، مما يؤدي إلى اغتراب العقول داخل أوطانها أو هجرتها بحثاً عن فضاء يسمح بالمبادرة. والحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن الدول لا تُبنى بالدبلوماسية الحذرة وحدها، بل بالجرأة على كسر الرتابة وصناعة القرار في اللحظة الحرجة، فالتأريخ لا يخلّد الذين حافظوا على السكون، بل الذين امتلكوا شجاعة المبادرة وكسروا طوق نقطة الصفر لصالح المستقبل.
بناءً على هذه الرؤية الاستشرافية، نجد أن الخروج من هذا النفق يتطلب إعادة تعريف مفهوم الشراكة لتكون شراكة إنتاج لا شراكة تعطيل، عبر تحصين مفاصل الدولة التنفيذية من تقلبات المزاج السياسي، وتبني معايير الكفاءة كمسطرة وحيدة للقيادة.
إننا بحاجة إلى كتلة تاريخية تمتلك الجرأة على تجاوز الحسابات الضيقة والانتصار للرؤية الوطنية الشاملة، فالبقاء في منطقة الأمان الزائفة بين قوتين متعاكستين هو في الحقيقة تراجع مقنّع، والقرار الحقيقي الذي ينتظره المستقبل هو الانتقال من مرحلة حفظ التوازن إلى مرحلة صناعة الحركة التي تدفع بالعراق نحو مدارات الاستحقاق التي تليق بتاريخه وطموح شعبه.



اضف تعليق