يتحدد هذا المنطق في النزوع إلى الوراء، والرجوع إلى الخلف، بحثاً عن نقطة البدء التي ينطلق منها، وكأن الزمن سبقنا ونحاول البحث عن نقطة اللحاق به، أو كأننا خرجنا من التاريخ وبقينا نفتش عن اللحظة التي ننطلق منها للعودة إليه، فالبدئيات هي عودة إلى الوراء، وعودة الزمن إلى الخلف...
من الظواهر التي تلفت الانتباه في المجال الثقافي العربي، الحديث المتواصل عن البدئيات التي انشغل بها بعض الكتاب والمثقفين، في دراسة وتحليل بعض القضايا والمشكلات النظرية والعملية، وفي نطاق أبعاد وميادين مختلفة، وبالشكل الذي يصدق عليها وصف الظاهرة بعد ما تزايد الحديث عنها بصورة متواترة ومتراكمة.
الأمر الذي يستدعي النظر في هذه الظاهرة، والتأمل فيها، فحصاً وتحليلاً، تفكيكاً وتركيباً، للكشف عن طبيعتها وبنيتها، سياقاتها وأرضياتها، علائقها وارتباطاتها.
وقد أبرز بعض الكتاب هذه البدئيات في عناوين مؤلفات لهم، في إشارة منهم للفت الانتباه لهذه البدئيات، بوصفها مقولات تفسيرية أو مفتاحية، أو بوصفها مقولات لها من الدلالات والمعاني، ومن الإشارات والرموز، تجعلها في الواجهة والصدارة، وعلى كل حال فإن هذه الظاهرة لا تخلو من مغزى ظاهر أو خفي.
ومن هذه المؤلفات، ما نشره الدكتور خلدون النقيب في كتاب صدر له سنة 1997م، بعنوان: (في البدء كان الصراع.. جدلية الدين والاثنية، الأمة والطبقة عند العرب)، حاول فيه تحديد مكانة المجتمع العربي في السياقات التاريخية، وموقعه من العالم المحيط به، والكشف عن مصادر الصراع بين قوى المجتمع الذاتية واشتباك مصالحها مع المجتمعات والجماعات الأخرى المحيطة به أو المتصارعة معه.
ومنها ما نشره الدكتور عبد الإله بلقزيز في كتاب صدر له سنة 1998م، بعنوان: (في البدء كانت الثقافة.. نحو وعي عربي متجدد بالمسألة الثقافية)، تناول فيه أهمية الثقافة، وضرورة تنمية الوعي بالمسألة الثقافية، ودعوة المثقف إلى إعادة بناء تصور جديد لدوره في المجتمع العربي.
ومنها كذلك، ما نشره الدكتور عبد المجيد الصغير في كتاب صدر له سنة 1999م، بعنوان: (في البدء كانت السياسة.. إشكالية التأصيل للنهضة والديمقراطية في المجتمع المغربي)، إلى غير ذلك من مؤلفات صدرت أو سوف تصدر.
أما على مستوى الكتابات والمقالات القصيرة والطويلة، فهناك ما لا يحصى منها، وتعددت فيها البدئيات وتنوعت إلى قضايا وعناوين عديدة ومختلفة، منها التي اعتبرت أن في البدء كانت الأمة، أو في البدء كانت القبيلة، ومنها التي اعتبرت أن في البدء كان الإنسان، أو في البدء كان الفرد، ومنها التي اعتبرت أن في البدء كان الحوار، أو في البدء كان المفهوم.. إلى غير ذلك من قضايا وعناوين لا حصر لها.
وعند النظر في هذه الظاهرة فحصاً وتحليلاً، يمكن القول أن هناك جانب اشتراك في هذه الظاهرة، وجانب افتراق، اشتراك في طريقة صياغة هذه المقولة والتمسك بها، وافتراق في طبيعة العناوين والقضايا، وفي كلا هذين الجانبين يتكشف المنطق الداخلي لهذه الظاهرة. ففي جانب الاشتراك يتحدد هذا المنطق في النزوع إلى الوراء، والرجوع إلى الخلف، بحثاً عن نقطة البدء التي ينطلق منها، وكأن الزمن سبقنا ونحاول البحث عن نقطة اللحاق به، أو كأننا خرجنا من التاريخ وبقينا نفتش عن اللحظة التي ننطلق منها للعودة إليه، فالبدئيات هي عودة إلى الوراء، وعودة الزمن إلى الخلف.
وفي جانب الافتراق، يتحدد هذا المنطق في تعدد العناوين والقضايا التي ترتكز على حالة من الأحادية والنهائية، وذلك بالاستناد على العامل الواحد في تفسير وتحليل الظواهر والقضايا، وإعطاء هذا العامل صفة النهائية بمعنى التوقف والانتهاء عند ذلك العامل الواحد الذي يشكل نقطة البدء.
كما أن العديد من هذه المقولات يظهر عليها التساهل والتسامح المألوف عند أهل اللغة، ويتجلى فيها اقتفاء أثر الآخرين في هذا الشأن، وفي أكثر الأحيان لا تكشف هذه المقولات عن حكمة دقيقة تقف وراءها، ولا عن قوة في المعنى، أو عمق في الدلالة، بخلاف بعض المقولات الأخرى، أو المقولات التي كشف أصحابها عن خلفية تعبر عن حكمة متجلية، فحينما سئل الروائي والأديب السوداني الطيب صالح لماذا كل أعمالك تنطلق من القرية وتدور أحداثها حولها؟ أجاب بالقول: في البدء كانت القرية، وعلى الأديب العبقري أن يبدأ من عالمه الصغير، وإذا نجح في مخاطبة عالمه الصغير، فإنه يكون بمثابة من نجح في مخاطبة العالم بأكمله.



اضف تعليق